الرئيسية / مقالات مستقلة / طرابلس المحروسة 1785م

طرابلس المحروسة 1785م

طرابلس المحروسة 1785م

 

 

 

 

 

 

 

 

 

شدت آمنة بقوة في “سورية” والدها سالم، حارس ضريح “سيدي الشعاب”، الذي أحضرها معه هذه الليلة إلى الضريح لعلمه المسبق بالزوار الآتين إليه، شاهدت أمامها لفيف من النساء، أربعة منهن متلفلفات بالفراشية، والتي يبدو أنها من أفخر أنواع الصوف وأحسنه غزلا، أحست بأنهن صاحبات مكانة رفيعة، والبقية كن نساء سوداوات يرتدين أردية ملونة بين الأزرق الغامق والأخضر يغطين بها رؤوسهن ويحملن مشاعل، عرفت أنهن الوصيفات والجواري فقد كانت تعرف بعضهن عندما يأتين للضريح ببعض القربات من سيداتهن، يرافقهن حرس الباشا الخاص، لم تكن تدرك آمنة بعد وهي في السادسة من عمرها بأنها ترى للمرة الأولى –ولن تكون الأخيرة- اللا عيشة حرم علي باشا القرمللي والي طرابلس وحاكمها، وبناتها الثلاث: للا زكية وفاطمة، وللا عويشة التي لاحظت وجود آمنة الملتصقة بسورية سالم كقملة، انهمكت النساء في ترديد الأدعية عند الضريح، بكت اللا عيشة راجية من صاحب الضريح أن يشفع لهم عند الله، فالطاعون لا بد وأن يكون مصيبة كبرى كتلك التي حلت بقوم عاد وثمود، هكذا ردد أحد المرابطين الذين كانو يدورون في الأزقة منذ بدأ انتشار الوباء في تونس، ووصول الخبر إلى طرابلس، لقد حذرهم من أن مصيبة ستحل عليهم، وبأن الساعة قد حانت، فقد انتشر الفساد والفسق والفجور، ولم يبق إلا أن يأتي وقت الحساب، رفض الأهالي تصديقه، رماه البعض بالجنون، وبعضهم رماه بالكذب، والبعض الآخر بالبيض الذي أفسدته شمس الربيع التي ظنت أن الصيف قد حل.

طيلة مكوثهن لم تنزل اللا عويشة عينها من آمنة، بل كانت تتبسم لها كلما تجرأت تلك الأخيرة على رفع عينها من باب الفضول في وجوه زائرات الليل، وبعد أن أفرغت للا عيشة ما بجعبتها من دعوات وعبرات، التفتت لأحدى الجواري آمرة إياها بإعطاء سالم -الذي يكاد قميصه ينقطع من تشنج قبضة ابنته عليه- شوالا يحوي بعض السميد وزيت الزيتون والتمر المعجون، كخاتمة مناسبة وبرهان لصاحب الضريح بأنهم قوم صالحون لا ينبغي أن يحل بهم عذاب من الله وهو العادل الرحيم، وقبل أن يمد سالم يده لقبول الهبة، أحنى رأسه ثم ركع سائلا إياها أن تصغي إليه، عند ركوعه المفاجئ وجدت آمنة نفسها في وضع اضطرت فيه لأن تجلس القرفصاء إلى جانب والدها خيرا من أن تبقى واقفة محنية الظهر، فهي لم تفكر بعد في إرخاء قبضتها من القميص، كاد أحد الحراس أن يلطم سالم بأحد المشاعل التي انطفأت للتو، إلا أن اللا برحابة صدرها التي عرفت بها نهرته عن ذلك، وطلبت من سالم أن ينطق بما يريد، أخبرها بأن زوجته وأبناؤه الثلاثة لقوا حتفهم بسبب الطاعون في الأسبوع الأول من انتشاره في المدينة، وبأنه لم يبق لديه إلا ابنته هذه، وأشار إليها بميل رأسه ناحيتها دون أن يرفع بصره في وجه سيدته أو أن ينظر في عين ابنته، ثم بدأ يبكي، طلب منها أن تتكرم بقبول ابنته جارية او خادمة في سراي الباشا، فهو لا يجد الوقت للعناية بها، وأنها إذ لم تصب بالوباء حتى الآن فإنه ولا بد لن يقربها لأنها روح نقية طاهرة، حتى وسط أقرانها، لم يخبر سيدته بانه يخشى أن يموت وتبقى فتاته التي تكاد تمزق قميصه وحيدة لا تجد قميصا آخر تشده يشعرها بالأمان، وبأنه يقتات من بيوت الأسر التي ماتت بالكامل في منازلها، إذ أنه يتبرع بحملها إلى المقابر ويأذن لنفسه بأن ينال أجر عمله هذا بأخذ ما تجود به أرواحهم عليه من مخازن المونة وملابسهم وأغطيتهم، وبأنه لم يعد يخشى الموت بعد أن فقد أسرته إلا من هذه الطفلة، بل إنه كان يتمنى أن يلحقا بركب العائلة، أي حياة هذه والناس صارت تغلق أبوابها خشية من انتقال المرض من الغرباء؟ البضائع نقصت والأسعار اشتعلت، انتشر الجوع والفقر حتى أن البعض يكاد يأكل من جثث ضحايا الطاعون لولا خوفه الفطري من الله، ومن مشهد الموت في تلك الجثث، أما القهوة التي كان يعمل بها فقد أغلقت أبوابها، حتى مدمنوا “النارجيلة” الذين لم تكن تفارق شفاههم ما عادوا يطلبونها، حاول كثيرا أن يدور عليهم في بيوتهم عارضا أن يقوم بعمله المتعلق بإشعال فحم “النارجيلة” وإعدادها لهم، إلا أنهم رفضوا، وأعلنوا توبتهم، من النارجيلة ومن لهو الحديث في المقاهي ومن كل ما يشكُّون في أنه قد يكون سببا في استحقاقهم هذا العذاب العظيم، فما كان منه إلا أن يتوسل إلى الأولياء، وقد لاحظ بأن غيره سبقه لذلك، وبان هذا هو المكان الوحيد الذي يجمعه بأكابر القوم وأصاغرهم، فقرر أن يتردد على أضرحتهم، لا لنيل بركات صاحب الضريح، بل لنيل بركات الزوار الراغبين في محو سيئاتهم، ثم انتهى به المطاف كحارس متطوع ظاهريا، مستفيد حقيقة، في أشهر أضرحة طرابلس المحروسة.

وافقت اللا عيشة، نزلت العبرات من الأب، وصرخت آمنة التي تم انتزاعها بقوة حتى تمزق ذلك القميص الذي لم يعد يحتمل الصمود أكثر أمام قبضتها، تعالت الأصوات التي حاولت تهدئتها في البداية قبل أن يستسلموا جميعا لنشيجها طيلة طريق عودتهم لـ”الحصار” .
غُسلت آمنة تلك الليلة بكل أنواع الصوابين المستوردة، بل ورُشت بالخل وشُطفت بماء الكافور، كمحاولة لتعقيمها من باب الاحتياط، ثم جُهز مخدعها في القسم الخاص بالجواري وأبنائهن، لم تنطق تلك الليلة وكأنها استنزفت مخزون صوتها في صراخها، وفي صباح اليوم التالي تُركت تدور دون دليل، وكأنهم نسوها، إلا أنه تم استدعاؤها في المساء لمقابلة اللا عويشة، تلك الأميرة التي أحست مبكرا بأن هناك شيئا ما متعلق بهذه الطفلة، وبانها لن تكون المرة الاخيرة التي ستراها فيها، ضمتها إليها وأخبرتها بأنها ستكون منذ اليوم وصيفتها الصغيرة، وبأنها لن تتخلى عنها حتى إذا تزوجت وانتقلت خارج السراي، -ولم تكن تكذب، بل إن آمنة نالت حريتها في زواج اللا عويشة بعد ثلاث سنوات لاحقة – .. حدقت آمنة مليا بسيدتها مكتنزة الوجنتين، رقيقة الشفتين، بأرنبة أنف دقيقة، وحاجبين سميكين، كانت للا عويشة في تلك اللحظة أقرب للملائكة من البشر بالنسبة إلى آمنة التي افتقدت لحنان أمها، الأنثى الوحيدة التي كانت تملأ بيتهم الفقير بثروة من المحبة والدفء، وبعد صمت قارب يوما كاملا سألت سيدتها: “هل لديكم فئران هنا؟”

استغربت للا عويشة السؤال الذي لم يأت بمناسبة، ولا يناسب المقام، ولكنها ردت بثقة بالغة: “لا بالطبع، وحتى إن ظهر أحدهم في ركن ما فهناك من يتولى أمرهم، هل تخافين من الفئران لهذه الدرجة؟”
“لا، لا أخاف الفئران ولكني أخاف الموت”
“وما دخل الفئران بالموت؟”

“لقد كان إخوتي يتولون أمر الفئران في مخازن المرفأ، وكانت أمي تتولى أمرهم في بيتنا وبيوت بعض الجيران مقابل بعض الغذاء، الفئران قتلتهم، الفئران هي التي جاءت بالموت”
ساد الصمت قليلا، ثم ما لبثت أن بدأت اللا عويشة وشقيقتاها بالضحك، وانتقلت عدوى الضحك للوصيفات والجواري، صرحت اللا زكية :” ظريفة هذه الفتاة، أخشى عليها من عين الحسود”، واستدراكا للموقف وشعورا منها بمسؤوليتها الجديدة تجاه هذه الطفلة الظريفة، قامت اللا عويشة بتلاوة المعوذتين وهي تمسح على وجه آمنة، ثم قفزت من مكانها وكأنها تذكرت شيئا، اتجهت صوب خزانتها وفتحت أحد الادراج واخرجت منه شيئا صغيرة ربطته بخيط، ثم عادت مسرعة نحو آمنة، أدارتها للخلف وربطت الخيط برقبتها..

كانت قد علقت به “خميسة” فضية، قررت ان تحرس بها أصغر وصيفاتها.
ظلت هذه الخميسة عقودا متتالية، تتوارثها حفيدات آمنة..
وكانت الشاهد الوحيد على صدق مزاعم آمنة الظريفة، بأن الفئران هي التي جاءت بالطاعون إلى طرابلس المحروسة.

طتابة: كوثر الجهمي
معلمة
طرابلس

شاهد أيضاً

أيّام ديسمبر الباردة

أيّام ديسمبر الباردة   عندما باشرتْ الحديث عن حقبتها التي عاشتها تحت ظل الحب و …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *