الرئيسية / مقالات مستقلة / حكاية “أزمة”: ليبيا والهجرة

حكاية “أزمة”: ليبيا والهجرة

حكاية “أزمة”: ليبيا والهجرة


في وقت سابق من هذا اليوم، شاهدتُ مقابلة تيم سيباستيان مع طاهر السوني حول حاضر ليبيا ومستقبلها في منطقة نزاع ديوتش ويل. وبطبيعة الحال، كانت الهجرة والأمن من بين المواضيع التي نوقشت في ذلك اللقاء. أغضبني أحد الأسئلة التي طرحها تيم سيباستيان وأنا على الفور أردتُ أن أُجيبه كمواطن ليبي.

وقد سأل سيباستيان، الذي لم يعطي الوقت الكافي للسني للرد على السؤال: «كيف تسمحون لأنفسكم بمعاملة المهاجرين بهذه الطريقة؟ معاملة الناس بهذه القسوة أمر لا يصدق. أناس لا يملكون شيئا، يفرون من الاضطهاد أو الحرب، في محاولة للوصول إلى مكان آخر ومع ذلك يتعرضون للضرب والاغتصاب في مراكز احتجازكم لهم”.

حاول السني الدفاع عن نفسه، مستخدما أرقام، موضحا أن هذه “الحوادث” وقعت فقط على أساس كل حالة، أي تم معاملة كل حالة على حدة، وكانت معزولة، لا سيما بالمقارنة مع أعداد اللاجئين الموجودين في ليبيا.

“من رأيي، حقيقة أن هذه الحوادث “معزولة” و تحدث “على أساس كل حالة على حدة” ليس صحيحا. لم يقنعني السُنّي، ناهيك عن محاورِه، ويرجع ذلك أساسا إلى “أسلوب” مقدمه، وذلك لأنه بالكاد سمح لضيفه بأن يجادل بأي نقطة (أو هجوم).

على عكس السُنّي، لن أصف هذه الحوادث كحالات فردية، كما أنني لن أنظر إلى “نصف الكأس الكامل” الذي يظهر أن الغالبية العظمى من المهاجرين لا يحصلون على هذه المعاملة. لقد كنت شخصيا في مركز اعتقال، وأنا أعرف حقيقة ذلك، وأنا أعلم أنه إذا لم يتعرضوا للاعتداء الجسدي، فإن الخسائر العاطفية الناتجة عن وجودهم في هذه الأماكن له عليهم تأثير أسوأ من الألم الجسدي.

ومع ذلك، بالنظر لذلك من زاوية أخرى، لن أتسامح مع اللوم المُلقى على الليبيين بسبب المعاملة المروعة التي يتلقاها المهاجرون عند احتجازهم في مراكزنا. لماذا؟! لأن هناك مشكلة في طريقة سرد ​​وسائل الإعلام الرئيسية لما يتعلق بالهجرة، والتي تنبع كلها من الدلالات التي تدور حولها مثل “المهاجرين غير الشرعيين” أو “أزمة الهجرة”.

وبالنسبة لتيم سيباستيان، الذي يبدو أنه يحب التنميط والتعميم، أنا أقول رداً عليه: “كيف لكم أيها الناس معاملة الليبيين بهذه الطريقة؟! الناس الذين، بين عشية وضحاها، اضطروا أن يشهدوا الاضطهاد والحروب، على أمل أن يجعلوا بلادهم على نحو أفضل، ومع ذلك تعرضوا للخيانة وتخلى عنهم أمثالك بعد أن أنتهوا منها (ليبيا)؟ “

شعرتُ بالسوء لما كتبته في الفقرة السابقة. فهو متحيز ويغفل جزءا كبيرا من الحقيقة أو الأسباب الجذرية لوجودنا هنا اليوم. ولكن المنطق نفسه ينطبق أيضا على سؤال سيباستيان عن سبب تعرض الناس للضرب والاغتصاب في مراكز الاحتجاز التابعة لنا. العين بالعين … يجعل العالم كله أعمى عن رؤية الحقيقة؟!

 

عندما قرر المجتمع الدولي التدخل في ليبيا في عام 2011، وتدخلت فعلاً لكن فقط للإطاحة بالدكتاتور حيث لم يهتموا بالدمار الذي خلّفوه. هذا الشيء واضح اليوم، حتى لأبسط المواطنين الليبيين. كان السبب الفعلي للتدخل هو “حماية المواطنين” بموجب قرار من مجلس الأمن. لكن اليوم، كل المواطنين الليبيين بحاجة إلى الحماية، ولكن لم ترِف لهم عين، ولم يكن لهم أي رد فعل. للأسف، الواقع هو أن الليبيين مكبّلين بحرب كامنة (العلنية بشكل متقطع) لمدة 6 سنوات وحتى الآن، وهذا أمر من شأنه أن يوصف بأنه أزمة، لكن وياللسخرية ليست كذلك.

هذا لا يبرر اغتصاب المهاجرين وضربهم في مراكز الاحتجاز في ليبيا. ولكنه يجيب على سؤال سيباستيان عن “كيف نتعامل مع المهاجرين بهذه الطريقة؟!”.

عندما تتدخل في بلد ما وتتركه بدون الإبقاء على سيادة القانون، فإن ما تجنيه هو “اللا قانون”.

التحول نحو نظرة أكثر عالمية، “أزمة الهجرة” الفعلية هي في بلدان البحر الأبيض المتوسط ​​وشمال أفريقيا التي تستضيف الملايين من اللاجئين، وليس في الغرب. وتعاني كل من تركيا والأردن ولبنان وليبيا من طرق مختلفة بسبب ما تفخر به وسائل اإلعالم الرئيسية في اعتبارها »هجرة غير قانونية«.

و “الأزمة الليبية” وكذلك “أزمة الهجرة” متشابكة.

ما لم يتنبأ به المجتمع الدولي قبل تدخله ليبيا في عام 2011 هو مشكلة الهجرة. مع ليبيا في مركزها، والإطاحة القذافي كعامل محفّز. فجوة السلطة الليبية، والاقتصاد الفاشل، والأمن الحدودي المفرط هي مزيج حول الهجرة إلى تجارة في العالم السفلي تشارك فيها القبائل والميليشيات والمنظمات غير الحكومية الدولية وخفر السواحل.

ليس هناك الكثير ما هو غير قانوني حول “الهجرة”، بوضع السرد المتعارف عليه لها جانباً بالإضافة إلى الطريقة التي استجاب لها الاتحاد الأوروبي والدول العربية الأخرى (مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وغيرها). رفضت العديد من الدول الترحيب بأي لاجئين، خوفا على أمنهم القومي، بينما تم إلقاء العبء على الدول الأخرى التي لديها مصادر أقل.

إذا سألت أشخاصا متخصصين في مجال الهجرة، فإنهم سيحولون السرد من “أزمة المهاجرين” و “الهجرة غير القانونية” إلى “أزمة تضامن” بين الدول التي ترفض السماح للمهاجرين، إلى جانب ظاهرة “الهجرة غير الطوعية” وذلك أساسا بسبب النزاع. وترفض الدول الغربية على وجه الخصوص إظهار أي تضامن، ولم تنفذ حصص اللاجئين التي فرضها الاتحاد الأوروبي والتي من شأنها أن تسهِم فعلا في تخفيف محنة جميع اللاجئين.

ولعل ما يثير الاهتمام هو كيف تطور هذا السرد، على الرغم من النزوح القسري لا يكون اتجاها جديدا. نعم، “الهجرة غير القانونية” ليست مشكلة جديدة، كانت موجودة من قبل، مع الصراعات في بوروندي والصومال وباكستان وفلسطين وإيران وكولومبيا والعراق، وقد أُجبِر مواطني تلك الدول على النزوح إلى بلدان أخرى… وقد كانت موجودة قبل 2011 في ليبيا، مع كون القذافي متواطئا بالفعل حول هذه القضية، وذلك بتوجيه عددا محدودا من “المهاجرين الاقتصاديين” إلى إيطاليا، وغالبا إلى لامبيدوزا.

 

ولكن منذ عام 2015، ساهمت وسائل الإعلام في جعل الهجرة “تهديدا” متزايدا على الصعيد العالمي، متجاهلة الأسباب الكامنة وراءها ونتائج الدلالات المستخدمة عند تصوير اللاجئين.
وقد تفاقمت هذه العواقب كوقائع اليوم: صعود اليمين المتطرف في جميع أنحاء العالم، وسياسات الهجرة الخارجية “الرسمية” الصارمة (مثل حظر المسلمين)، وحتى المدفوعات “غير الرسمية” من الحكومات الأجنبية إلى الميليشيات الليبية من أجل مواجهة الهجرة.
ولكن ما يفشل كثيرون في تحقيقه هو هذه المعادلة البسيطة: الناس لا يتركون منازلهم وأُسرهم وأحبائهم لطَرْق باب مجهول، ما لم يكن هذا هو الملاذ الأخير بالنسبة لهم. إن إعلاننا لحقوق الإنسان، الذي يتجاوز عمره 200 سنة، ينص على أننا نولد أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق. ترك هذا الباب المجهول أمام اللاجئين (وهم لمعلوماتكم من بني البشر)، هو في الواقع تجريد لكرامتهم بعيدا قبل اغلاق توابيتهم.
وعلى الاغلب، الليبيين مسؤولون إلى حد كبير عما يحدث لبلدهم. وهذا أمر معروف، وحتى أنني أتفق على أن ليبيا لن تتحسن ولا تتغير للأفضل إلا إذا تغيرنا كمجتمع.

بالنسبة للهجرة، لا أحد ينكر أنها قضية عالمية. وهناك حاجة ماسة إلى أن يعترف الغرب بمسؤوليته في خلقها وتأجيجها، ولكن أن يعترف أيضا بأهمية التضامن على المستوى الاتحادي واتخاذ خطوات استباقية نحو حل هذه المسألة قبل إلقاء اللوم على البلدان الأخرى لعدم احترامها لحقوق الإنسان التي لا تلتزم بها .

كتبه: عماد بادي – الناشط الليبي وناشط السلام

*ملاحظة: تعكس المشاركات المنشورة هنا وجهة نظر المؤلف وجميع حقوق الطبع والنشر مملوكة للمؤلف.

رابط إلى المقالة الأصلية: https://medium.com/@iron_badi

ترجمه: زينب سالم.

شاهد أيضاً

طرابلس المحروسة 1785م

طرابلس المحروسة 1785م                   شدت آمنة بقوة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *