الرئيسية / مقالات مستقلة / أيّام ديسمبر الباردة

أيّام ديسمبر الباردة

أيّام ديسمبر الباردة

 

عندما باشرتْ الحديث عن حقبتها التي عاشتها تحت ظل الحب و الحرمان، تجلتْ في صوتها نبرة حدبة، و كأنها تأبى فعل ذلك … !
حاولتْ أن لا تُبدى على سماتِ وجهها تلك العلامات المشردة، تلك المأساة التي لاحقتها لأيام عدة ..
كانتْ تجلس بمكتبتها العتيقة، تضع يديها فوق كتاب لأديب فرنسي، حيث قررت أن تحاكي صديقاتها مباشرةً بعد إنهاء ذاك الكتاب الذي كان يدور حول أحداث تراجيدية لعائلة بسيطة .. تدعى ” أكورا ” ..
رأتْ بتلك الرواية ملامح تشبه قصتها، بكل التفاصيل الدقيقة، و العقد و الحبكات، كانت كقلب نابض يبعث الروح بصفحات الكتاب و أيام الحياة ..
لا تعرفُ روحها السكينة ريثمــا تجتاحها ذكراهم ، زوجها و ابنها، و بــلادها، فكيف إذ قررتْ أن تروى لمن حولها قصتها تلك، بكل طياتها و بكل ما حوتْ من أتراح، و ذكريات قاتلة..
سكبتْ لصديقاتها الثلاثــ قليل من القهوة البــاردة، كانت تعشقها بشدة، فقط حرارة الجو التي كانت تصل غالبا فوق التاسعة و الثلاثون درجة، أرغمتها أن تتعلم إعداد القهوة الباردة التي سمعت عنها كثيراً بالبرامج الأمريكية ..

 

كانتْ ترتشف أول رشفة حين أردفتْ صديقتها تلك الكلمات، التي جعلتها تغلق عيناها و تبتسم بحذق ، حيث قالتْ :
_ ذاتَ يــوم سمحتِ لي بأن أطالع أجزاء من دفتر ملاحظاتك، و لكن لم أتمكن من قراءة تلك الصفحة التي كنت تتحدثين فيها عن ولهك لـلـقائه، حين قضيتِ ليلتين ببيت خالتكِ ..
ثم أضافتْ بعد رسم ابتسامه فضولية بريئة ..
_ ماذا حدث بعد ذاك الاتصال الهاتفي المفاجئ !؟
وضعتْ كأس القهوة الباردة بجوار تلك الرواية الفرنسية، من ثم أبعدتها كي لا تنسكب على الكتاب في برهة خاطفة ، حيث لازالتْ مبتسمة حين أردفتْ :
_ كنتُ ببيت خالتي حين تلقيتُ اتصاله، لا أعلم من أين جاء برقم الهاتف! .. هو هكذا يجتاحني و يرديني ضحية لمفاجئاته، خيـّم عليَّ صمت غريب حين سمعتُ صوته، منذ يوم و سبعة ساعات لـم أتحدث إليه ولم أراه.. حينها لم يكن بمقدوري أن أبرح للفناء و أتحدث معه و أخبره كم أنا مشتاقة إليه، فمنــذ اثني و عشرون سنة خلتْ كان”مارتن كوبر” لا يزال صبياً يفضل الخروج للفناء عن البقاء بالبيت و اقتناء بقايا الهواتف ليبتكر لنا ذلك الاختراع العظيم “الهاتف النقال”
بالغتُ بصمتي الحانق، معه خُلِقَتْ هالة من الفرح، دارتْ حولي، و أسرتني ..
حينـها لم أحاول أن أجْتَثَّ منه أي معلومة تخص رقم الهاتف، كل ما كنت أفعله هو الإنصات له، و لأحاديثه التي تزدردني لعــالم أخر، يحول دون الرجوع للواقـع الذي لم أتمنى أن يشاركني فيه ســواه ..

توقفتْ عن الحديث و ألقتْ بعينيها تجاه ورقة كانت ممددة فوق الطاولة، التَقَطتْهَا بخفه و أكملتْ سردها ..
_ هذه الورقة وَجدتُها بفناء بيت خالتي، ريثما أنهيتُ مكالمتي معه بعد نصف ساعة .. لم تكن تسعدني هداياه قدر ما كانتْ تسعدني كلماته .. أحياناً أثمل بها، و أحياناً أغار منها .. كانتْ رسائله قليلة، فلطالما فضل الحديث عبر الهاتف، و رسم الكلمات بشفاهه لا بقلمه، أراد أن يشعرني بنشوة الحب حتى غدتْ حلمي، كنتُ مثله، يتراءَى لي بأن الكلماتُ ذريعةٌ للحبِ، و الحب ذريعة للوجــود.. رغمَ أنه كان يُربكني بسكوته العشوائي، إلا أني أدمنتُ محادثته، فَـغَدَا الهاتف صديقي الأزلي بعد الكتاب ..
ما لم تَــقُـلْهُ لهنَّ أنه كان مُدمناً على مفاجئتها، مثلما كانت هي مدمنةً على محادثته، لأن باعتقاده أنه حين يفاجئها، يلتمس عفويتها من ردود فعلها و تلقائيتها التي لم تخضع لأوامرها يوماً من الأيامِ، بل كانت تجاريه و تخضع لسطوته و جبروته..
قاطعتها صديقتها الثانية قائلةً بابتسامة عريضة كاشفة عن بياض أسنانها الأربعيني:
_ كان الهاتف رفيق لنا جميعاً، في الوقت الذي نتباعد فيه، يجعلنا أقرب، يختصر المسافات بقدر حجمها …
يتراءى لي أحيانا بأن لولا الهاتف لما استطعنا أن نروي مشاعرنا كي تنمو و تكبر بداخل قلوبنا، هكذا كانتْ علاقتي بالهاتف، مثل علاقتي بالماء ..
ختمتْ جملتها الأخيرة بذاتِ الابتسامة، ثم تناولتْ كوب الماء و أخذت رشفة منه، أضافتْ لكي تصف شعورها بالارتواء وتضيف رشفة من الفكاهة ..
_ من ساوم الهاتف بالماء قبل برهة ؟ إنها ليست أنا ! .
ضحكتْ هي و ضحكتْ صديقتها الأولى، على هذه الكلمات المزاجية المتناقضة، انتشرت ذبذباتُ فرحٍ بالمكان، بعدما كاد يخيّم عليهن الحزن..
لم تتجرأ أن تخبرهم تفاصيل رحيله المفاجئ بعد سنتين من زواجهم، لم تستطع أن تعرج على ذلك اليوم المأساوي، كانتْ ليلة بلا قمر، صباحٌ انبلجَ بلا شمس، هكذا كانتْ تصف ذاك اليوم ..
كانا فوق سريرهما الحريري ، يضعان ابنهما الصغير في المنتصف، وكل منهما يتحدث له من جهة، و يداعبه من أنفه، شعره، أصبعه، لم يبلغ الشهرين حين أشتروا له حاجيات الطفل ذو السنتين، ولم يولد بعد، حين أشتروا له قميص و ربطات عنق ..
كانتْ الثانية صباحاً، برح سريره، ارتدى معطفه، سألته و هي تمسك يدي أبنها:
_ إلي أين أنت ذاهب، إنها الثانية صباحاً !..
رد عليها:
_ إلى أجل غير مسمى !
انتفضتْ من السرير، لملمتْ شعرها و قالتْ بفزع :
_ ما الذي تقوله ، أَجُننتْ ؟
ربط معطفه بإحكام، كي لا يتسلل البرد إليه، فأيام ديسمبر الأخيرة دائما كانت تُرديه مريضاً كل سنة، اقترب منها وهمس في أذنيها:
_ نعم ، جُننتُ حين أحببتكِ ..
لم يفقد موهبته بصنع الكلمات و خلق الحروف حتى بعدَ مرور عامين من زواجهم ، دائما كان المنتصر في كلِ المعاركِ و كل الحوارات …
سَألتهُ ثانيةً بهدوء كي لا توقظ ابنهما :
_ أين تذهب الآن ؟ أخبرني ؟.
رد عليها بذات الهدوء :
_ أخي مسافر ، وطلبَ مني أن أنام ببيته ، كدتُ أنسى .
_ لما لا نذهب معك ؟
ضحك بصوت منخفض ثم أضاف :
_ ومن سيبقى بالمنزل ! .
_ ألن تشتاق لي ؟
_ أنا ذاهب لأني أخاف أن أشتاق .
_ كيفَ هذا، إذ كان يرهبكَ الاشتياق لما لا تبقى ؟
ابْتَعدَ أكثر، أمسكَ مقبض الباب النحاسي، و قبل أن يبرحَ الغرفة، أضافَ لها قائلاً:
_ ومن قال إنني لا أشتاق و أنا معك، أنا ذاهب كي لا أشتاقك أكثر، فكلما زادَ القربُ ؛ زادَ وتفاقمَ الاشتياقُ و الولـهُ ..
_ أيؤذيكَ اشتياقي، لهذا الحد ؟
_ اشتياقكِ لا يؤذي، بل يرهبني فقدانه، لذا أقتربُ و أبتعدُ .. أنا مريضٌ بحبك، فلا أريدُ أن أشفى منهُ عبر الإفراط فيهِ ..
لم تكنْ قارئةً من الدرجة الأولى للأدب العربي قدرَ ما كانتْ قارئهً شرهةً و ذات نفس عميق يَسمحُ لها بالغوص في بحر الأدب العالمي، لذا سألتْهُ بفضول :
_ من أين جئتَ بهذه النظرية التي تخص الشفاءَ عبر الإفراط ؟
_ من أحلام المستغانمي، أنصحك بقراءةِ روايتها ” الأسود يليق بِك”
حين التفتَ بقامتهِ ناحيةَ البابِ يقصدُ الخروجَ، أردفتْ لهُ قائلةً :
_ و أنتَ ، الأسود يليق بكَ، وخصوصاً بِــليالي ديسمبر الباردة.
بَرَحَ المكان ، و تركَ زوجته و أبنه، ومنذ ذاك الوقت لم يعدْ، رَحَلَ دون عودةٍ .. رحل إلى أجل غير مسمى مثلما أردفَ لها قبل ساعات ..
أغلقتْ المكتبة ، بَعدما ودَّعتْ صديقتيْها للقاء قريبٍ ، و رجعتْ لبيتها في أمل أن تجدهُ ممدداً على الأريكة، يشتكي صعوبة العمل، و برودة الطقس كعادته ، لم تتلقى خبر وفاتهِ ، ولا خبر نجاتهِ منذ ليلة ديسمبر الأخيرة قبل سبعة و عشرون سنة .. ضلتْ منذ ذلك الوقت معلقةً بحلم عودته..
دخلتْ البيتَ ، أعدتْ عشائها المتواضع، وضعتهُ عند الشرفة و باشرتْ الأكل لوحدها ، فمنذ رحيله المفاجئ و منذ وفاةِ ابنها بجبهاتِ المقاومة في سن السادسة عشر، تتناول الأكل بعزلتها،، لم تعرف عن من تشكو ، عن العصابة التي خطفتْ زوجها أو عن الشبان الذين غسلوا دماغ ابنها .. أو عن البلاد التي صارت أرضاً خصبةً لنمو كل تلك الضغائن الاعتباطية التي تفضي إلى رحيل من أحبتهم بجنون ..
هذا ما أثقلَ كاهلها كل تلك الفترة ، هاجس يلاحقها أينما ذهبت، ومهما حاولت الأيام أن تُنسِيها، ومهما حاولت أن تُغيِّر من شكلها السنين

كتابة: بشير أبوالقاسم بشير
طالب طب بشري
هون

شاهد أيضاً

الحرب الأهلية شبح يخيم على وطني

الحرب الأهلية شبح يخيم على وطني هل هناك نموذج تفسيري يمكن من خلاله معرفة ما …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *